وهبة الزحيلي

89

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ثم أنكر اللّه تعالى على المشركين فيما اختلفوا فيه من عبادة غيره بلا دليل ولا حجة ، فقال : أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ أي أأنزلنا عليهم في عبادة الأوثان حجة وكتابا فيه تقرير ما يفعلون ، وينطق أو يدل ويشهد بشركهم ؟ ! وهذا استفهام إنكاري معناه أنه لم يكن شيء من ذلك ، فلم ينزل اللّه عليهم كتابا بما يقولون ، ولا أرسل رسولا ، وإنما هو شيء اخترعوه ، وفي ضلالتهم يترددون . وبعد ان بيّن اللّه تعالى حال المشرك الظاهر شركه ، بيّن حال المشرك الذي دونه ، وهو من تكون عبادته اللّه للدنيا ، فإذا آتاه منها رضي ، وإذا منعه سخط وقنط ، فقال : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ أي إذا أنعم اللّه على بعض الناس نعمة بطر بها ، كما قال : ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي ، إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [ هود 11 / 10 ] أي يفرح في نفسه ، ويفخر على غيره ؛ وإذا أصابته شدة أو شر قنط وأيس من رحمة اللّه وسخط ؛ لأن إصابته بالسيئة كان بسبب شؤم معصيته . ويلاحظ أنه تعالى لم يذكر عند النعمة سببا لها لتفضله بها ، وذكر عند العذاب سببا تحقيقا للعدل . وهذا إنكار على الإنسان وطبيعته ، لكن في آية أخرى عقب آية هود المتقدمة استثنى تعالى المؤمنين الصابرين فقال : إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ هود 11 / 11 ] أي الذين صبروا في الضراء وعملوا الصالحات ، كما ثبت في الصحيح عند أحمد ومسلم عن صهيب : « عجبا للمؤمن ، لا يقضي اللّه له قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته سرّاء شكر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر ، فكان خيرا له » .